منهج السلف الصالح في علاج الإباحيات والشهوات
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يعد موضوع علاج الإباحيات والشهوات من المواضيع المهمة التي تناولها علماء السلف الصالح من أهل السنة والجماعة بالبحث والدراسة، وقدموا فيها منهجاً متكاملاً يجمع بين العلاج العلمي والعملي والإيماني. وفي هذا التقرير سنستعرض منهج السلف الصالح من أهل السنة والجماعة في علاج الإباحيات والشهوات، مستندين إلى أقوال وكتب علماء السلف كابن تيمية وابن القيم وابن رجب الحنبلي، وكذلك العلماء المعاصرين الذين ساروا على نهجهم كالشيخ ابن باز وابن عثيمين رحمهم الله جميعاً.
تعريف الشهوة وخطرها
تعريف الشهوة
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: "الشهوة: هي ميل النفس إلى ما يلائمها وتلتذ به، وقد تميل كثيراً إلى ما هو محرم، كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر."
وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: "الشهوات هي ما تميل إليه النفس من غير تعقل ولا تبصر ولا مراعاة لدين ولا مراعاة لمروة... فالزنى والعياذ بالله شهوة الفرج، تميل إليها النفس كثيراً،... وكذلك شرب الخمر تهواه النفس وتميل إليه."
خطر الشهوة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الغفلة والشهوة أصل الشر"، وقال أيضاً: "الشهوة والغضب مبدأ السيئات."
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: "منشأ جميع الأخلاق السافلة وبناؤها على أربعة أركان: الجهل، والظلم، والشهوة، والغضب."
وقال أيضاً: "لو فتش العاصي عن قلبه لوجد حشوه المخاوف والانزعاج والقلق والاضطراب وإنما يواري عنه شهود ذلك سُكرُ الغفلة والشهوة فإن للشهوة سُكراً يزيد على سكر الخمر."
مراحل الوقوع في الإباحيات
يوضح ابن القيم رحمه الله في كتابه "الداء والدواء" أن الوقوع في الإباحيات والشهوات المحرمة يمر بمراحل متتالية، وفهم هذه المراحل يساعد في وضع خطة للعلاج. يقول رحمه الله:
"ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر جعل الأمر بغضه مقدما على حفظ الفرج، فإن الحوادث مبدؤها من النظر، كما أن معظم النار مبدؤها من مستصغر الشرر، ثم تكون نظرة ثم تكون خطرة ثم تكون خطوة ثم خطيئة."
وهذه المراحل هي:
- النظرة: وهي بداية الطريق إلى المعصية
- الخطرة: وهي الفكرة التي تخطر في القلب
- الخطوة: وهي الحركة نحو المعصية
- الخطيئة: وهي الوقوع في المعصية
ولذلك يقول ابن القيم: "من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه: اللحظات والخطرات واللفظات والخطوات، فينبغي للعبد أن يكون بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة، ويلازم الرباط على ثغورها، فمنها يدخل العدو فيجوس خلال الديار."
منهج السلف الصالح في علاج الإباحيات والشهوات
أولاً: العلاج العلمي
-
معرفة حكم المسألة:
يؤكد علماء السلف على أهمية معرفة الحكم الشرعي للإباحيات والشهوات المحرمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كلامٍ له عن حكم الاستمناء: "والاستمناء لا يباح عند أكثر العلماء سلفاً وخلفاً؛ سواء خشي العنت أو لم يخش ذلك."
وقال أيضاً: "وأما من فعل ذلك تلذذاً، أو تذكراً، أو عادةً، بأن يتذكر في حال استمنائه صورة كأنه يجامعها فهذا كله حرام لا يقول به أحد؛ لا أحمد ولا غيره، وقد أوجب فيه بعضهم الحد، والصبر عن هذا من الواجبات لا من المستحبات."
-
معرفة الأضرار:
يشدد علماء السلف على ضرورة معرفة الأضرار المترتبة على الإباحيات، سواء الأضرار الدينية أو النفسية أو الاجتماعية أو الصحية.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "كل شر وداء في الدنيا والآخرة سببه الذنوب: مما ينبغي أن يعلم أن الذنوب تضر ولا بد، وأن ضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاته."
وقال أيضاً: "ذهبت اللذات، وأعقبت الحسرات، وانقضت الشهوة، وأورثت الشقوة، تمتعوا قليلاً وعذبوا طويلاً، رتعوا مرتعاً وخيماً، فأعقبهم عذاباً أليماً، أسكرتهم خمرة تلك الشهوة، فما استفاقوا منها إلا في ديار المعذبين."
ثانياً: العلاج العملي
-
غض البصر:
يعتبر علماء السلف أن غض البصر هو الخطوة الأولى والأهم في علاج الإباحيات، لأن النظر هو بوابة الشهوة.
قال ابن القيم رحمه الله: "ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر جعل الأمر بغضه مقدما على حفظ الفرج."
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: "الواجب الاجتناب، الواجب الحذر من هذه الأفلام الخبيثة التي تصور النساء العاريات، أو الرجل مع زوجته، أو الزاني مع من زنى بها، أو تذكر اللواط واللائط مع من لاط به."
-
مراقبة الخواطر:
يؤكد علماء السلف على أهمية مراقبة الخواطر والأفكار التي ترد على القلب، وعدم الاسترسال معها، لأن الخاطرة إذا استقرت في القلب تحولت إلى شهوة ثم إرادة ثم فعل.
قال ابن القيم رحمه الله: "كل عمل اختياري يقوم به الإنسان هذا يأتي من الخواطر والأفكار، أي عمل تعمله الآن أول شيء يبدأ بالمرحلة الأولى وهو خاطرة تأتي في الذهن فإذا وقفت الخاطرة في الذهن وانشغل الذهن بها تتحول إلى فكرة؛ لأن الذهن بدأ يفكر فيها، ما طردها مباشرة بل بدأ يفكر فيها، ثم إن هذه الفكرة تتحول إلى تصور، يعني: تتصور المسألة الآن بشكل كامل في ذهنك، وهذا التصور ينشئ الإرادة؛ إرادة الفعل، وهذه الإرادة تتطور إلى عزيمة وهي الرغبة المشددة في الشيء، وهذه العزيمة تؤدي إلى الوقوع في الفعل، وإذا تكرر الوقوع في الفعل صار عادةً."
-
الصيام:
يوصي علماء السلف بالصيام كعلاج فعال للشهوة، مستدلين بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".
قال الشيخ ابن باز رحمه الله: "شدة الشهوة وقوتها وخطرها قال فيه النبي ﷺ: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجَاء."
-
الزواج:
يعتبر علماء السلف الزواج من أهم وسائل علاج الشهوة لمن استطاع إليه سبيلاً، لأنه يحصن الفرج ويغض البصر.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "الزواج هو الحل الأمثل لمشكلة الشهوة، لأنه يحصن الفرج ويغض البصر، ويحقق السكن والمودة والرحمة."
-
الابتعاد عن المثيرات:
يشدد علماء السلف على ضرورة الابتعاد عن كل ما يثير الشهوة، سواء كان ذلك من خلال النظر أو السماع أو المخالطة.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله: "الواجب الحذر من هذه الأفلام الخبيثة التي تصور النساء العاريات."
وقال أيضاً: "يجب على المسلم أن يبتعد عن كل ما يثير الشهوة، من الصور والأفلام والمجلات والمواقع الإباحية."
ثالثاً: العلاج الإيماني
-
تقوية الإيمان:
يؤكد علماء السلف أن تقوية الإيمان في القلب هي أساس العلاج، لأن الإيمان القوي يمنع من الوقوع في المعاصي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "القلب إذا ذاق حلاوة الإيمان لم يعد يلتفت إلى الشهوات المحرمة."
-
ذكر الله:
يوصي علماء السلف بالإكثار من ذكر الله تعالى، لأن الذكر يطرد الشيطان ويقوي القلب.
قال ابن القيم رحمه الله: "ذكر الله تعالى من أعظم ما يعين على مقاومة الشهوات، لأنه يطرد الشيطان ويقوي القلب."
-
الدعاء:
يؤكد علماء السلف على أهمية الدعاء والتضرع إلى الله تعالى بأن يصرف عنه السوء والفحشاء، وأن يطهر قلبه من الشهوات المحرمة.
قال ابن القيم رحمه الله: "الدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن."
-
التوبة النصوح:
يشدد علماء السلف على ضرورة التوبة النصوح من الذنوب والمعاصي، والإقلاع عنها، والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة.
قال ابن القيم رحمه الله: "التوبة النصوح هي التي تمحو أثر الذنب من القلب ندماً وحزناً وأسفاً، ومن الجوارح إقلاعاً ورجوعاً، ومن العزم أن لا يعود إليه."
-
مجاهدة النفس:
يؤكد علماء السلف على أهمية مجاهدة النفس وحملها على ما تكره من الطاعات، وصرفها عما تحب من المعاصي.
قال ابن القيم رحمه الله: "النفس أمارة بالسوء، فلا بد من مجاهدتها وحملها على ما تكره من الطاعات، وصرفها عما تحب من المعاصي."
رابعاً: العلاج الاجتماعي
-
صحبة الصالحين:
يوصي علماء السلف بصحبة الصالحين والابتعاد عن قرناء السوء، لأن الصاحب ساحب.
قال ابن القيم رحمه الله: "من أعظم أسباب الوقوع في المعاصي مصاحبة قرناء السوء، ومن أعظم أسباب النجاة منها صحبة الصالحين."
-
الانشغال بالطاعات:
يؤكد علماء السلف على أهمية الانشغال بالطاعات والأعمال الصالحة، لأن الفراغ من أهم أسباب الوقوع في المعاصي.
قال ابن القيم رحمه الله: "القلب إذا لم تشغله بالحق شغلك بالباطل."
-
المحافظة على الصلاة:
يؤكد علماء السلف على أهمية المحافظة على الصلاة، لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
قال العلماء: "علاج الشهوات في حفظ الصلوات. لا تجد متبعاً للشهوات إلا وهو مضيع للصلوات."
خاتمة
يختم علماء السلف كلامهم بالتأكيد على أن العلاج الحقيقي للإباحيات والشهوات المحرمة يكمن في تزكية النفس وتطهير القلب، وأن ذلك لا يتم إلا بالجمع بين العلاج العلمي والعملي والإيماني والاجتماعي. ويؤكدون أن من سلك هذا المنهج بصدق وإخلاص فإن الله تعالى سيعينه على التخلص من هذا الداء، ويبدله بالعفة والطهارة.
قال ابن القيم رحمه الله: "ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه."
المراجع
- ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. "مجموع الفتاوى".
- ابن القيم الجوزية، محمد بن أبي بكر. "الداء والدواء" أو "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي".
- ابن القيم الجوزية، محمد بن أبي بكر. "الفوائد".
- ابن رجب الحنبلي، عبد الرحمن بن أحمد. "جامع العلوم والحكم".
- ابن باز، عبد العزيز بن عبد الله. "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة".
- ابن عثيمين، محمد بن صالح. "مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين".
- موقع صيد الفوائد، "من أقوال السلف في الشهوة"، https://saaid.org/Doat/alshwairek/329.htm
- موقع إسلام ويب، "مذهب ابن عثيمين في العادة السرية"، https://www.islamweb.net/ar/fatwa/358930/
- موقع الشيخ ابن باز، "التحذير من الأفلام الخبيثة الخليعة"، https://binbaz.org.sa/fatwas/18311/
تعليقات
إرسال تعليق